الشيخ محمد رشيد رضا
418
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سبب غاية الاقبال ، فكان من المستبعد في المعتاد والمعقول أن يترتب عليه منتهى الاعراض ، وقد سبق مثل هذا في أول السورة . ويليه في أوائلها الكلام في اعراضهم عن الآيات ، وقد فصلنا القول في تفسيره تفصيلا * * * قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الظالمين أرأيتكم أنتم أنفسكم كيف يكون شأنكم - أو أخبروني عن مصيركم - ان أتاكم عذاب اللّه لذي مضت سنته في الأولين ، بانزاله بأمثالكم من المكذبين المعاندين ، مباغتا ومفاجئا لكم - أو اتيان مباغتة - فأخذكم على غرة لم تتقدمه أمارة تشعركم بقرب نزوله بكم ، أو أتاكم ظاهرا مجاهرا - أو إتيان جهرة - بحيث ترون مباديه ومقدماته بأبصاركم ، هل يهلك به الا القوم الظالمون منكم ، وهم المصرون على الشرك وأعماله عنادا وجحودا ، إذ مضت سنته تعالى في مثل هذا العذاب ان ينجي منه الرسل ومن اتبعهم من المؤمنين . فكأنه قال لا تهلك به غيركم ، وانما تهلكون بظلمكم لأنفسكم وجنايتكم عليها . وقد ظن بعض المفسرين ان هذا من العذاب الذي يكون عاما يؤخذ فيه غير الظالم بجريرة الظالم كالمصائب التي تحل بالأمم من جراء ظلمهم وفجورهم ، الذي يفضي إلى ضعفهم والاعتداء على استقلالهم ، أو إلى تفشي الأمراض أو المجاعات فيهم ، فتكلفوا في تفسير الآية تكلفا يصححون به ظهم ، فرعموا ان هلاك غير الظالم بهذا العذاب لا ينافي الحصر لأنه يكون عذابا في الظاهر فقط وأما في الباطن والحقيقة فهو سعادة ، لما يترتب عليه من الثواب والدرجات الرفيعة ، ومن أشهر هؤلاء الظانين في الآية غير الحق الرازي والطبرسي . ويدل على ما اخترناه ما ذكر من الجزاء على تكذيب الرسل في قوله تعالى * * * وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي تلك سنتنا في اهلاك المكذبين للرسل : ما نرسل المرسلين إليهم الا مبشرين من آمن وأصلح عملا بالحزاء الحسن اللائق بهم ، ومنذرين من أصر على الشرك والافساد في الأرض بالجزاء السبئ الذي يستحقونه فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي فلا خوف